الأصول الأربعون للأبيقوريَّة

هذه أربعون قولا لأبيقور (من هو أبيقور؟) تُلخِّص مذهبه في الغيبيات والأخلاق وتحصيل السعادة:

delville_school_ plato

  1. ليست الأوصاب تُصيب كائنا سعيدا خالدا، ولا هو يُصيب كائنا غيره بها، فهو متحرر من الغضب والهوى؛ لأن هذه الأشياء تنطوي على ضعف.
  1. ليس الموت شيئا؛ لأن ما ينحلُّ إلى عناصره الأوليَّة لا حسَّ لهُ، وما لا حسَّ له هو ليس بشيء بالنسبةِ لنا.
  1. تبلغ اللذة أقصاها في زوال كل ألم؛ وعندما تحضرُ هذه اللذة – ولا يحصل لها انقطاع – فليس ثمة ألم في الجسد ولا كدر في العقل.
  1. الألم في الجسد لا يلبث طويلا؛ فإنه إن كان مُمِضًّا، فهو لا يبقى سوى لبرهة قصيرة جدا. وحتى هذا الألم الذي يفوق بعض الشيء ملاذ الجسد لا يستمر إلا أياما معدودة. والأمراض التي تدوم طويلا تتيح ملاذ جسدية تفوق الآلام.
  1. يستحيل العيش عيشا لذيذا هانئا من دون العيش بحكمةٍ وشرفٍ وعدالةٍ، ويستحيل العيش بحكمةٍ وشرفٍ وعدالةٍ من دون العيش بالتذاذ. وإن نقصت إحداهنَّ، كأن لا يستطع إنسان أن يعيش بحكمةٍ، وإن توفَّرَ على الشرف والعدالة، استحال أن يعيش سعيدا مُلْتذًّا.

PersianGarden2-e1312078650754

  1. أي وسيلة لتحقيق الوقايةِ من [شَرِّ] الناس، هي وسيلةٌ خَيِّرةٌ طبيعيةٌ.
  1. يريد بعض الناس الشهرة والمنصب، ظنًّا منهم أن هذا سيقيهم من الآخرين. إن كانت حياة هؤلاء الناس فعلا مُؤمَّنة، فلقد نالوا خيرا طبيعيا. أما إن كانت غيرَ مُؤمَّنةٍ، فلم ينالوا الغاية التي سعوا لها استجابة لبواعث الطبيعة نفسها.
  1. ليس ثمةَ لذة رديئة بذاتها، وإنما ثمة وسائل تخلق ملذات بعينها لكن تنطوي على منغصاتٍ تفوق بأضعاف كثيرة تلك الملذات.
  1. لو أن كل كانت لذةٍ قابلة للتركيز، وتحل في كيان الإنسان كله، أو على الأقل في الأجزاء الأساسية منه، إذن لَمَا كان هنالك فرق بين لذةٍ وأخرى.
  1. إن كانت الأشياء التي تُنتج اللذة في نفوس الأشخاص المُتهتِّكين والمُسْرفين تُحرِّرُهُم من المخاوف العقليَّة – أعني، تلك المخاوف توحي بها الظواهر العُلويَّة والسماويَّة، كالخوف من الموت والخوف من الألم؛ وكانت هذه الأشياء المُستطابة، علاوة على ذلك، تحضُّهم على الاعتدال في رغباتهم، فإذن يجب ألَّا يكون عندنا سبب للتثريب عليهم؛ هذا لأنهم سيمتلئون بلذة تفيض من كل جانب، ويكونون في حرز من كل ألم سواء كان جسديا أو عقليا، أي من كل شر.

rubens

  1. لو أننا لا يَمُسنا طِيَرة من الظواهر العُلويَّة والجويَّة، ولا قلق من أن تخترمنا المنيَّة، ولا الجهل بحدود الآلام والرغبات؛ لَمَا كان لنا حاجة بدراسة العلم الطبيعي.
  1. من المُحال أن يطرد المرء مخاوفه في حال كان جاهلا بطبيعة الكون، وكان لا يزال مُصدِّقا بما تحكيه الخُرافات. لذا فمن دون دراسة الطبيعة لن يحصل استمتاع صاف بالملذَّات.
  1. لا معنى في طلب الأمان من شر البشر، ما دمنا نخشى الحوادث التي تجري فوقنا وأسفل منَّا [الغيبيَّات]، أو مما يجري في عموم الكون الفسيح.
  1. مع أنه يمكن تحصيل قدر لا بأس به من الأمان إزاء الآخرين بقدرتنا على رد إغارتهم، وبكثرة ثروتنا، إلا أن الأمان الحقيقي يتحقق في العزلة والابتعاد عن الناس.
  2. الغنى الطبيعي غنًى محدود ويمكن تحصيله بيسر. أما غنى البهرج والغرور فهو غنى يشبه السراب كلما وصلت له ابتعد أكثر.

Greece-and-the-World-323-B.-C.-–-250-B.-C.-3

  1. الحظ والنصيب نادرا ما يُزْعِجان الحكيم؛ إذ أن أهم همومه وأبرزها، في ماضيه وحاضره ومستقبله، تُقاد بهدي من العقل.
  1. المرء الذي يصنع المعروف سعيدٌ مطمئن، أمَّا الظالم فهو أبدا في قلقٍ وتبلبلٍ كبيرين.
  1. اللذَّة البدنيَّة تصل الذروة حين يزول ألم الرغبة والحاجة [للأشياء]، بعد ذلك يكون الفرق بين الملذات فرقا في النوع. أما اللذَّة العقلية فذروتُها التفكُّر في الأشياء على حقيقتها، ويحصل ألمها عندما تختلط في تفكيرنا الأشياء وتتداخل.
  1. إذا حسبنا حدود اللذة بواسطة العقل، تسوى لدينا لذة مؤقتة ولذة دائمة.
  1. يتلقَّى الجسد قدرا غير محدود من اللذة، ولكن تقديمها يتطلب زمنا غير محدود. لكن العقل، باستيعابه محدوديَّة الجسد وبقدرته على صرف مخاوف المستقبل، ينال أعلى لذة وأخلصها، وبالتالي فليس له حاجة في الخلود. لكن العقل لا يرفض اللذة رفضا مطلقا، حتى في ساعة الموت، حين يُقاد خارج الوجود، فإنه لا يفقد طِيَب الحياة.

1001_Nights

  1. ذاك الذي يفهم حدود الحياة يعلم سهولة تَحْصيِّل الكفاية لإزالة ألم العوز والحاجة، وإمكانيَّة تحقيق حياة كاملة. ومن ثمَّ فلا حاجة له بالأشياء التي يتطلَّب تحصيلها شقاء وصراعا.
  1. يجب أن تكون الحواسُّ دليلنا في التعرُّف على الموجودات، وأن تكون هي البرهان على وجودها؛ وإلا صارت كل الأشياء مليئة بالغموض والالتباس.
  1. إن أنكرتَ حواسَّك كنت بلا معيار تَقِيسُ به، ومن ثمَّ بلا وسيلة للحُكْم حتى على الأشياء التي تَعُدُّها باطلة.
  1. إن كانت أفكارُكَ قائمة على تصحيح الأمور التي تحتاج إلى تأكيد، كما هو الأمر في الأمور التي لا تحتاج إلى تأكيد، فإنك لا تجتنب الخطأ، حيث أنك تُب‫قي‏ شاكا في كل الأمور التي تتراوح بين الصواب والخطأ.
  1. ما لم تَعْقِد كل فعلٍ تأتيه بالغاية القصوى التي أوصت بها الطبيعة، وإنما أتيت أمرا أو تركت أمرا وفقا لغاية أخرى، كانت أفعالك غير متسقة مع نظرياتك.

Platos_Symposium_-_Anselm_Feuerbach_-_Google_Cultural_Institute

  1. كل الرغبات التي لا يؤدي تركها إلى ألم هي رغبات غير ضرورية. ولكن الرغبة يسهلُ التخلُّصُ‫‏ منها إن كان الشيء المنشود صعب النوال، أو إن كانت الرغبة يُرجَّح أن تؤدي لضرر.
  1. من بين جميع الأمور التي تنالها الحكمة لضمان السعادة طوال الحياة، الصداقة أعظَمُها.
  1. نفس الإيمان الذي يوحي‫ لنا الثقة بأن لا شيء نخافه أب‫دي، أو حتى طويل الأمد، يوحي لنا كذلك أن نرى أن لا شيء كالصداقة يعزز أمننا في خضمِّ الشرور المحدودة في هذه الدنيا.
  1. بعض رغباتنا طبيعي وضروري، وبعضها طبيعي وغير ضروري، وبعضها غير طبيعي وغير ضروري وإنما مصدرها رأي سقيم.
  1. الرغبات الطبيعية التي لا يؤدي إهمالُها إلى ألم، لكن طلبها يحتاج جهدا ضخما، هي أيضا راجعة لرأي سقيم. وليس لطبيعتها يَصْعُبُ التخلُّص منها، لكن الصعوبة بسبب سقامة رأي الإنسان.

Judgement_of_conscience-1421877178l

  1. العدالة الطبيعيَّة هي تعهُّد بتبادل المنفعة؛ أن نمنع الإنسان من أن يَعْتدي أو يُعْتدى عليه.
  1. تلك الحيوانات التي لا تقدر على إجراء اتفاقيات مُلْزِمَة فيما بينها ألا تتسبب بالأذى أو أن يقع عليها الأذى هي حيوانات لا ينطبق عليها مفهومي العدل والجور. كذلك الحال بالنسبة للأُناس الذين لا يقدرون، أو لا يريدون، تكوين اتفاقيات ملزمة تردع إنزال الأذى أو تلقيه.
  1. ليس ثمَّ عدالة مطلقة، وإنما اتفاقيات في معاملات بين أناس في أمكنة مختلفة وأزمنة متباينة تضمن عدم إلحاق الأذى أو تلقيه.
  1. الظلم ليس شرا بحد ذاته وإنما في عاقبته المتمثِّلة بالرعب المرتبط بالخشية من انكشاف مرتكبه على يد الموكلين بالعقاب على هذه الأفعال.
  1. من المحال على الإنسا‫ن الذين ينتهك سر‫ا شروط اتفاقية عدم الإيذاء أن يشعر بالثقة في أنه لن يُكْشف، حتى لو فرَّ ألفَ مرَّة؛ لأنه سيبقى حتى موته مترقبا أن يُكْشَف.

1 Bnn1wXhuOkeU-VMhJCXzsA

  1. العدالة، على العموم، واحدة للجميع، إذ هي أمر نافع في تعاملات الناس. لكن في تطبيقها في مكان أو ظرف معين قد لا يكون شيء ما عادلا للجميع.
  1. من بين الأشياء التي تُعد عادلة بحكم القانون، إذا ثبت أنها مفيدة في تعاملات الناس فهي عادلة، سواء كانت عادلة في جميع الحالات أو لا. لكن إن شَرَعَ انسان قانونا لم يثبت نفعه لجميع الأطراف، فهو قانون لا يمكن أن يتصف بالعدل. وإن كان ما هو مشترك المنفعة مختلف من حالة إلى أخرى ولا يتفق دائما مع مفهومنا لما هو عادل، لكنه في تلك الحالة عادل بالنسبة للذين لا يُشغلون أنفسهم بالكلمات البرَّاقة وإنما ينظرون إلى الحقائق وحسب.
  1. ما لم تتغير الظروف وتبيَّن أن الأشياء التي يُعْتقد أنها عادلة ليست تتفق وفهمنا لأساسيات العدل، إذن فهي ليست عادلةً. أما إذا تغيرت الظروف وصارت الأشياء العادلة غير نافعة، فإنها تكون عادلةً بقدر ما تكون نافعة في معاملات الناس الذين يتشاركون مجتمعا واحدا؛ وإن لم تعد نافعة لاحقا كفت عن أن تكون عادلةً.
  1. الإنسان الذي يُحْسِن التعاطي مع التهديدات الخارجية يجعل جميع المخلوقات أسرةً واحدةً قدر استطاعته. أما تلك التي لا يستطيع ضمها لهذه الأسرة، فعليه ألا يعاملها معاملة الأغيار. وإن لم يقدر على هذا، فليتجنب التعامل معها، وإن كان في ذلك خير له فليخرجها من حياته.
  1. أولئك الذين ينالون ثقة جيرانهم يعيشون أيضا مع بعضهم أسعد حياة وأكثرها ثقةً؛ وحين تحين وفاة أحدهم لا يندبونه حتى لو أن الموت تخطَّفه مبكرا لما يربط بينهم من أوثق عرى الأخوة.

فرانسيس بيكون (1561-1626): المعرفة قوة

800px-Somer_Francis_Bacon
المجال: فلسفة العلم – المذهب: التجرُبيَّة

يُعدُّ بيكون عادة مؤسسا لتقليدٍ فكري يدعى «التجْرُبيَّة البريطانية» يمتاز باعتقاد أن جميع المعرفة لا بد أن يكون مصدرها التجربة الحسيَّة. فلقد ولد بيكون في زمن شهد انتقالا من الانشغال النهضوي بإعادة اكتشاف مُنجزات العالم القديم إلى منهج علمي في المعرفة. كان ثمة بعضا من الأعمال المبتكرة انتجها علماء عصر النهضة كالفلكي نيكولاس كوبرنيكوس والتشريحي أندريس فسيليس، لكن هذا العصر الجديد – الذي يدعى أحيانا عصر الثورة العلمية – أنتج عددا مُذهلا من المفكرين العلميين، ومنهم غاليلو غاليلي ووليم هارفي وروبرت بويل وروبرت هوك وإسحاق نيوتن.

ومع أن الكنيسة كانت مرحبةً بالعلم في عموم العصر الوسيط، إلا أن هذا تغيَّر مع تصاعد المعارضة لسلطة الكنيسة في عصر النهضة. فلقد اشتكى العديد من المصلحين الدينيين، كمارتن لوثر، من أن الكنيسة مُتساهلة في مجابهة التحديات العلمية للقصص الإنجيلية عن العالم. وردا على هذا، قامت الكنيسة الكاثوليكية – التي خسرت العديد من اتباعها لصالح المسيحية المُحْدثة التي جاء بها لوثر – بتغيير موقفها والاتجاه لمقاومة الانشغال العلمي. وقد أدت هذه المعارضة، التي شنها طَرَفا الخلاف الديني، إلى إبطاء ترقِّي العلوم.

ادعى بيكون أنه مُسلِّم بتعاليم الكنيسة المسيحية. لكنه قال بوجوب فصل العلم عن الدين، من أجل تسهيل وتسريع الحصول على المعرفة، ولأجل أن تستخدم في تحسين حياة الناس. وكان يُلح على الدور التغييري للعلم. وكانت إحدى شكاويه أن قدرة العلم على تحسين حياة البشر قد تُجوهلت سابقا لصالح التركيز على المجد الأكاديمي والشخصي.

قدم بيكون قائمة من الحواجز النفسية التي تحول عن تحصيل المعرفة العلمية وسماها «الأصنام العقليَّة»، وهي: 1. «أصنام القبيلة»، وهي نزوع الناس نزوعا جنسيا (أو “قَبَليًّا”) إلى التعميم؛ 2. «أصنام الكهف»، وهي نزوع البشر إلى فرض أفكار مسبقة على الطبيعة بدلا من رؤية الطبيعة كما هي؛ 3. «أصنام السوق»، وهي نزوعنا إلى السماح للأعراف الاجتماعية بتشويه تجربتنا؛ 4. «أصنام المسرح»، وهي الأثر المُشوِّه للمعتقدات الفلسفية والعلمية السائدة. وعلى العَاِلم أن يُجابه جميع هذه المعوقات لأجل أن يحصل على معرفة العَاَلم.

Untitled-1

المنهج العلمي

ذهب بيكون إلى أن تقدُّم العلم يعتمد على صياغة قوانين تتصف بالعمومية اتصافا يتزايد بمرور الوقت. ويقترح منهجا علميا يحتوي نوعا من هذه الطريقة. فبدلا عن القيام بسلسلة من الملاحظات، كملاحظة الحالات التي تتمدد بها المعادن في الحرارة، ومن ثم استنتاج أن الحرارة تجعل المعادن تتمدد؛ يقول بالحاجة إلى اختبار نظرية ما بالبحث عن الحالات التي تَنْقُضُها – كوجود معادن لا تتمدد حين تتعرض للحرارة.

أدى تأثير بيكون إلى التركيز على التجارب العملية في العلم، لكنه تعرض للانتقاد لإهماله أهمية الطفرات التي تنتج عن الخيال في دفع التقدم العلمي.

حياته

ولد فرانسيس بيكون في لندن، وتلقى تعليما خاصا قبل أن يلتحق بكلية ترينيتي في كامبردج في عمر الثانية عشر. بدأ بعد تخرجه بالتدرب على المحاماة، لكنه تخلى عن الدراسة للعمل بمنصب دبلوماسي في فرنسا. أدى به وفاة والده في عام 1978 للفقر، وأجبره على العودة للممارسة العمل القانوني.

اُنتخب بيكون للبرلمان عام 1584، لكن أدت علاقته بإيرل ساسكس الخائن لتعويق مساره السياسي حتى صعود جيمس الأول للعرش عام 1603. عُيِّن عام 1618 رئيسا للقضاة لكنه طُرد بعد عامين عندما اُتهم بتلقي رُشى. أمضى بيكون بقية حياته بالكتابة والبحث العلمي، وقضى نحبه بعد إصابته بالتهاب الشعب الهوائية أثناء قيامه بحشو دجاجة بالثلج، وهي تجربة أجراها في مجال حفظ الأطعمة.

مؤلفاته

المقالات (1597)؛ تطوير التعلُّم (1605)؛ المنطق الجديد (1620)؛ أطلنطا الجديدة (1624).

ديمقريطس وليوكيبوس (القرن الخامس ق.م.): ليس ثمَّ إلا ذرات وخواء

said-atoms-constantly-move_90ea02ddda8ce7d0
المجال: الميتافيزيقا – المذهب: الذريَّة

منذ مطلع القرن السادس ق.م. وصاعدا، بدأ الفلاسفة يتسألون ما إذا كان الكون مصنوعا من عنصر أساسي واحد. وفي القرن الخامس ق.م، اقترح فيلسوفان من أبديرة في اليونان، يدعيان ديمقريطس وليوكيبوس، اقترحا أن كل شيء مُركَّب من جزيئات صغيرة لا تتجزأ ولا تتبدل، وسموها ذرات (أتوموس باليونانية تعني «غير قابل للتجزئة»).

أول نظرية ذريَّة

زعم ديمقريطس وليوكيبوس كذلك أن هناك خواء، أو فضاء، يفصل بين الذرات، متيحا لها الحركة الحرة. وفي حركتها تتصادم ببعضها، وتتشكَّل  منها تركيبات جديدة، وهكذا تبدو الأشياء في العالم في حالة متغيرة. ولقد اعتبر المفكران أن هناك عدد لا يحصى من الذرات السرمدية، لكن تركيباتها محدودة. وهذا يُفسِّر العدد المحدود للعناصر الموجودة. فالعناصر التي تتكون منها أجسدنا، على سبيل المثال، لا تضمحل وتختفي حين نموت، وإنما تتناثر ويمكن أن تتكون كرة أخرى.

قدمت هذه النظرية، التي جاء بها ديمقريطس وليوكيبوس، والتي عرفت باسم الذريَّة، أول منظور ميكانيكي للكون، من دون اللجوء لفكرة إله أو آلهة. وكشفت كذلك عن خواص أوليَّة للمادة كانت مفصلية في تطور العلوم الفيزيائية، خصوصا في القرن السابع عشر وما تلاه، وصولا إلى النظريات الذرية التي أدت لثورة علمية في القرن العشرين.

بروتاغوراس (حوالي ٤٩٠ – ٤٢٠ ق.م): الإنسان هو المعيار

Protagoras v. Abdera / Gem.v.J.de Ribera - Protagoras of Abdera /Painting by Ribera -
المجال: الأخلاق – المذهب: النسبيَّة

أصبحت أثينا، في خلال القرن الخامس قبل الميلاد، دولة-مدينة مهمة ومزدهرة، ودخلت، تحت قيادة بركيلس (٤٤٥-٤٢٩ ق.م)، «عصرها الذهبي» في العلم والثقافة. فجذب هذا الناس إليها من جميع أرجاء اليونان. ووجد فيها من يُجيد القانون، وتفسيره، مغانم سهلة المنال. وكانت المدينة تُسيَّر بمبادئ ديمقراطية عامة، إلى جانب نظام قانوني قائم. وكان كل من يؤخذ إلى المحكمة يجب أن يرافع عن نفسه، فليس ثمَّ محامين. ولكن نشأت بعد قليل طبقة من المستشارين والمعلمين، وكان منها بروتاغوراس.

كل شيء نسبي

درَّس بروتاغوراس القانون والبلاغة لكل من كان بمقدوره دفع ثمن الدروس. وكانت تعاليمه تدور أساسا حول موضوعات عملية، لكسب قضية مدنية لا لأجل البرهنة على مسألة ما، لكن كان بمقدوره أبصار التبعات الفلسفية للأمور التي يُدرِّسها. فكل حجة، بالنسبة لبروتاغوراس، لها وجهان، كلاهما يمكن أن يكون صحيحا. ويزعم أن بوسعه «أن يجعل القضية الخاسرة رابحة»؛ مُبرهنا على أن القدرة على الإقناع، لا قيمة الحُجَّة، هو ما يَهُم. هكذا تبيَّن له أن المعتقدات ذاتية، وأن الإنسان، الذي يعتقدها، هو مقياس صحتها. وهذه الطريقة في التفكير، المألوفة في القانون والسياسية في ذلك الوقت، كانت جديدة في الفلسفة. فبوضعها الإنسان في المركز، استمرت في اخراجها للدين من التفكير الفلسفي، كما أنها حوَّلت تركيز الفلسفة من فهم طبيعة الكون إلى دراسة سلوك الإنسان. وبروتاغوراس مهموم أساسا بالمسائل العملية؛ لذا بدا له أن التأملات في عنصر الكون، أو في وجود الآلهة، أمرا عديم الفائدة. كما أنه عدَّ هذه الأمور أمورا يُحَال معرفتها.

screen-shot-2017-02-12-at-7-22-45-am

يتبع من القول بأن «الإنسان هو المعيار» أن المعتقدات نسبية وذاتية. وهذا ما يقود بروتاغوراس إلى رفض وجود تعريفات مطلقة للحقيقة والعدالة والفضيلة. فما هو حقيقي لشخص ما، زائف لشخص آخر. وتنطبق هذه النسبية على القيم الأخلاقية كذلك، كالصواب والخطأ؛ فليس ثمَّ شيء خيِّر بنفسه. فالشيء يكون أخلاقيا، أو صحيحا، لأن شخصا ما، أو مجتمعا ما، يعدُّه كذلك.

كان بروتاغوراس أشهر المعلمين الجوالين للقانون والبلاغة، الذين صاروا يعرفون بالسفسطائيين (من الكلمة اليونانية صوفيا، التي تعني حكمة). ولقد ازدرى سقراط وأفلاطون السفسطائيين، وعدوهم مجرد معلمي بلاغة. لكن بروتاغوراس مثَّل خطوة مهمة في الأخلاق تجاه رؤية أن ليس هنالك مُطْلَقَات. وأن جميع الأحكام، ومنها الأحكام الأخلاقية، هي أحكام ذاتية.

نبذة عن بروتاغوراس

ولد بروتاغوراس في أبْدَريا، شمال شرقي اليونان، لكنه جال كثيرا باعتباره معلما رحَّالا. وفي مرحلة من مراحل عمره استقر في أثينا، حيث أصبح مستشارا لحاكم الدولة-المدينة بركيلس، الذي فوضه كتابة دستور لمستعمرة ثورياي في عام ٤٤٤ ق.م. ولقد كان بروتاغوراس من القائلين باللاأدرية، وتحكي الأسطورة أنه حوكم لقلة التقوى، وأن كتبه أُحْرقت في الملأ. لم يبقى من كتاباته إلا الشذرات، رغم أن أفلاطون يناقش أقواله باستفاضة في محاوراته. ويُعْتقد أن بروتاغوراس عاش حتى السبعين، لكن تاريخ وفاته ومكانها مجهولين.

مؤلفاته

في الآلهة؛ الحقيقة؛ في الوجود؛ فن الجدال؛ في الرياضيات؛ في الدولة؛ في الطموح؛ في الفضيلة؛ في الوضع الأصلي للأشياء.

هرقليطس (حوالي 535 – 475 ق.م): كلُّ شيء في حالة من الجريان

Utrecht_Moreelse_Heraclite.jpg
المجال: الميتافيزيقا – المذهب: الواحديَّة

بينما كان الفلاسفة اليونان الأوائل منكبين على كشف تفسيرات علمية لطبيعة الكون، كان هرقليطس يرى أن الكون محكوم بعقل إلهي (لوغوس). وبينما فُسِّرَ اللوغوس على أنه «علة» أو «حجة»، عده هرقليطس قانونا كونيا كُليًّا تنوجد به جميع الأشياء وبه تبقى جميع عناصر الكون في حالة اتزان.

اعتقد هرقليطس أن الموازنة بين المتضادات، كالليل والنهار والسخونة والبرودة، هي ما يقود إلى وحدة الكون، أو أن كل شيء هو جزء من عملية أو عنصر واحد؛ وهو المعتقد المركزي في الواحديَّة. لكنه قال أيضا بوجود توتُّر بين هذه المتضادات، وبالتالي استنتج أن كل شيء في حالة دائمة من الجريان أو التغيُّر. فمثلا يتحول النهار إلى ليل، والليل بدوره يعود إلى نهار.

يضرب هرقليطس مثل النهر لإجلاء نظريته: «لا يمكنك أن تضع قدمك في نفس النهر مرتين». ويعني بهذا أنه في اللحظة التي تخطو فيها في النهر فإن ماء جديدا سيزيح الماء الذي وضعت قدمك فيه، ومع ذلك فالنهر يوصف دائما على أنه شيء ثابت لا يتغيَّر.

اعتقاد هرقليطس أن كل ما في العالم هو في حالة مستمرة من الجريان يضاد تفكير فلاسفة المدرسة الملطيَّة، كطاليس وأناكسيماندر، الذين عرَّفوا كل شيء بجوهر لا يتبدَّل.

طاليس (حوالي 624–546 ق.م): من الماء صُنِعَ كُلُّ شيء

V0005772 Thales of Miletus. Stipple engraving by F. Ramberg.
المجال: الميتافيزيقا – المذهب: الواحديَّة

بدأت شعوب شبه الجزيرة الإغريقية، خلال العصر العتيق (من وسط القرن الثامن إلى القرن السادس ق.م)، بدأت بالاستقرار في مجموعة من دول-المدينة، وأنشأت نظاما أبجديا للكتابة، كما دشنت ما أصبح يعرف بالفلسفة الغربية. لقد اعتمدت الحضارات السابقة على الدين لتفسير الظواهر التي تحيط بها في العالم، أما الآن فقد ظهر نوع جديد من المفكرين الذي حاولوا إيجاد تفسيرات عقلانية وطبيعية لهذه الظواهر.

كان طاليس الملطي في طليعة هؤلاء المفكرين العلميين حسب علمنا. لم يصلنا شيء من كتاباته، لكننا نعلم تمكنه من الهندسة وعلم الفلك، وقد اشتهر عنه تنبؤه بالكسوف الكُلِّي للشمس عام ٥٨٥ قبل الميلاد. ولقد أدى به توجُّهُه العملي إلى الاعتقاد بأن أحداث العالم ليست نتيجة تدخل قوى خارجة عن الطبيعة، وإنما نتيجة لعلل طبيعية يمكن للعقل والملاحظة أن يكشفا الستار عنها.

Screen Shot 2017-02-11 at 5.27.07 PM.png
استنتج طاليس، بواسطة الملاحظة، أن ظروفا مناخية معينة تؤدي لمحاصيل جيدة، وليس الاستعانة بالآلهة. ويقال أنه توقع محصولا كبيرا من الزيتون في إحدى السنوات، فاشترى جميع عصَّارات الزيتون في مدينة، ثم جنى أرباحا بتأجيرها مستغلا الطلب العالي عليها.

عنصرٌ أساسي

لقد احتاج طاليس إلى أن يضع مبدأ أوليا ينطلق منه، لذا طرح هذا السؤال: «ما هي المادة الأساسية للكون؟». هذه الفكرة، فكرة أن جميع ما في الكون يمكن اختزاله في عنصر واحد، تدعى النظرية الواحديَّة؛ وكان طاليس وأتباعه أول من قال بها في الفلسفة الغربية. لقد حاجَّ أن المادة الأولية للكون يجب أن تكون مادة يمكن أن يُصْنَع منها كل شيء، وأن تكون ضرورية للحياة، وأن تكون قابلة للتحرك وبالتالي قابلة للتغيُّر. ولاحظ أن الماء ضروري لبقاء جميع أشكال الحياة، وأنه يتحرك ويتحول، وأنه قابل لأن يأخذ صورا مختلفة؛ من سائل إلى جليد جامد وغاز سديم. فانتهى طاليس إلى أن كل الأشياء، بغض النظر عن صفاتها الظاهرية، لا بد وأنها ماء في مرحلة من مراحله الإنتقالية.

كذلك لاحظ طاليس أن اليابسة تنتهي على حدود الماء. فاستنبط من هذا أن العالم برمته يطفو على الماء، وأنه من الماء خرج. وحين يحدث شيء يتسبب بتموُّج هذا الماء، فإننا نشعر به على شكل زلزال.

Screen Shot 2017-02-12 at 3.59.30 AM.png

لكن على الرغم من طرافة التفاصيل في نظريات طاليس، إلا أن هذا ليس السبب الرئيس الذي من أجله اعتبر شخصا مهما في تاريخ الفلسفة. إذ أن أهميته تكمن في كونه أول مُفكِّر عُرِفَ بالبحث عن أجوبة طبيعية وعقلانية على المسائل الأساسية، بدل نسب الأشياء والأحداث إلى نزوات الآلهة. فوضع بعمله هذا، ومن تبعه من فلاسفة المدرسة الملطيَّة، أسس التفكير العلمي والفلسفي المستقبلي في جميع أرجاء العالم الغربي.

نبذة عن حياة طاليس

على الرغم من أننا نعرف أن طاليس وُلِدَ وعاش في ملطية، الواقعة الآن على شاطئ ما يعرف بتركيا الآن، إلا أننا لا نعرف إلا النزر القليل عن حياته. إذ لم يبقى شيء من كتاباته، هذا في حال أنه خلَّف أي كتابات. لكن شهرته باعتباره من أوائل المفكرين الإغريق تبدو شهرة مستحقة. ولقد أشار إليه أرسطو ببعض من التفصيل، وكذلك ديوجانس اللايرتي، كاتب سير قُدامى فلاسفة الإغريق، في القرن الثالث الميلادي.

تقترح الحكايات أن طاليس، بالإضافة إلى أنه فيلسوف، كان مشتغلا بالسياسة، وتاجرا ناجحا. ويُعْتقد أنه ساح في شرقي البحر المتوسط، وأنه في زيارته لمصر تعلم الهندسة العملية التي أمست أساس تفكيره الاستنباطي.

لكن طاليس كان في المقام الأول معلما، ومؤسسا، لمدرسة الفلاسفة التي تدعى المدرسة الملطيَّة. ولقد بسط تلميذه أناكسيماندر نظرياته العلمية. وكان أناكسيماندر بدوره معلما لأنكسيمانس، الذي يُعْتقد أنه كان معلما للرياضي فيثاغورس في شبابه.

هنري ديفيد ثورو (1817-1862): هل يجب على المواطن أن يُخضع ضميره للقانون؟

المجال: الفلسفة السياسية – المذهب: عدم الانصياع
بعد مضي ما يقارب القرن من إعلان جان جاك روسو القائل إن الطبيعة في جوهرها طيبة، قام الفيلسوف الأمريكي هنري ثورو بأخذ الفكرة إلى مدى أبعد، فقال: “كل ما هو جيد هو برّيٌّ وحر”، فيما قوانين الإنسان تقمع الحريات المدنية، بدل أن تحميها. لقد رأى أن الأحزاب السياسية استبدادية بالضرورة، وأن سياساتها تسير على الضد من مبادئنا الأخلاقية. لذا فهو يؤمن أن واجب الأفراد هو الاحتجاج على القوانين الجائرة، لأن الصمت والسلبيًّة تجاه هذه القوانين سيعطيها شرعيةً عملية: “كل أحمق يمكنه أن يسنَّ قانونا، وكل أحمق سيلتزمُ به”، هكذا قال عن قواعد اللغة الإنجليزي، وكذلك تنطبق هذه القاعدة على فلسفته السياسية.

تضمنت حملة  العصيان المدني التي قادها المهاتما غاندي، ضد الحكم البريطاني في الهند، مسيرة الملح عام 1930، احتجاجا على القوانين الجائرة التي تتحكم بانتاج الملح.

في مقالته “العصيان المدني“، المكتوبة عام 1849، يقترح ثورو حق المواطن الضميري في الاعتراض من خلال عدم التعاون والمقاومة غير العنيفة؛ فكرته هذه وضعها موضع التنفيذ من خلال رفضه أن يدفع الضرائب التي تموِّل الحرب مع المكسيك وتديم العبودية. أفكاره هذه تضعه على النقيض من أفكار معاصره كارل ماركس، والروح الثورية السائدة في أوروبا حينذاك، التي تدعو إلى الفعل العنيف. ولكن أفكار ثورو تُبُنِّيت لاحقا من قبل العديد من قادة الحركات المقاومة، كالمهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ.

سلافوي زيزاك (1949): أفضل التحليلات الماركسية دائما ما تكون تحليلا لفشل

المجال: الفلسفة السياسية – المذهب: الماركسية
ظهرت الفكرة التي تقول، إن أفضل التحليلات الماركسية هي التحليلات التي تتناول حالات الفشل، في مقابلة اجراها الفيلسوف السلوفيني سلافوي زيزاك عام 2008. فلقد سُئل زيزاك في المقابلة عن رأيه في أحداث تشيكوسلوفاكيا عام 1968، حيث لم تكد تبدأ فترة من الإصلاح، هدفت إلى تخفيف مركزية القرار وزيادة الديمقراطية في البلد، حتى اُنهيت على نحو عنيف من قبل الاتحاد السوفييتي وحلفائه. أجاب زيزاك، أن سحق الإصلاحات أصبح لاحقا مصدرا لأسطورة حملها اليسار السياسي، وهي: لو أن الإصلاحات سارت في طريقها، لحلَّ على أثرها رفاه سياسي واجتماعي.

 

في رأي زيزاك أن هؤلاء اليساريين مُنكبين على فشلهم، لأن هذا يُمكِّنهم من توليد أساطير حول ما الذي كان سيحدث لو أنهم نجحوا. كذلك تُتيح حالات الفشل لليساريين “موقفا أخلاقيا آمنا”، لأن فشلهم يعني أنهم لم يكونوا في موقع السلطة، ولم يتم اختبارهم عمليا. ويصف زيزاك هذا الموقف بأنه موقف “ممانعة مريحة”، مما يسمح لليسار تجنُّب قضايا جدية كقضية إعادة تقويم طبيعة الثورة السياسية. وبالنسبة لزيزاك – وهو الماركسي المتفاني في ماركسيته – فإن مسائل جادة حيال طبيعة السلطة السياسية يُعتَّم عليها من خلال مناقشات لا تنتهي حول جنة ضائعة.